الجصاص

157

أحكام القرآن

قاله أبو بكر : وقد ذكرنا في سورة البقرة الكلام في مدة الرضاع والاختلاف فيها ، وقد قدمنا ذكر دلالة الآية على إيجاب التحريم بقليل الرضاع ، وغير جائز لأحد إثبات تحديد الرضاع الموجب للتحريم إلا بما يوجب العلم من كتاب أو سنة منقولة من طريق التواتر ، ولا يجوز قبول أخبار الآحاد عندنا في تخصيص حكم الآية الموجبة للتحريم بقليل الرضاع لأنها آية محكمة ظاهرة المعنى بينة المراد لم يثبت خصوصها بالاتفاق ، وما كان هذا وصفه فغير جائز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس . ويدل عليه من جهة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما الرضاعة من المجاعة " ، رواه مسروق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يفرق بين القليل والكثير ، فهو محمول عليهما جميعا . ويدل عليه أيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة التواتر والاستفاضة أنه قال : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ، رواه علي وابن عباس وعائشة وحفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتلقاه أهل العلم بالقبول والاستعمال ، فلما حرم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع ما يحرم من النسب وكان معلوما أن النسب متى ثبت من وجه أوجب التحريم وإن لم يثبت من وجه آخر ، كذلك الرضاع يجب أن يكون هذا حكمه في إيجاب التحريم بالرضعة الواحدة لتسوية النبي صلى الله عليه وسلم بينهما فيما علق بهما حكم التحريم . واحتج من اعتبر خمس رضعات بما روت عائشة وابن الزبير وأم الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحرم المصة ولا المصتان " ، وبما روي عن عائشة أنها قالت : " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ، فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن " . قال أبو بكر : وهذه الأخبار لا يجوز الاعتراض بها على ظاهر قوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) لما بينا أن ما لم يثبت خصوصه من ظواهر القرآن وكان ظاهر المعنى بين المراد لم يجز تخصيصه بأخبار الآحاد ، فهذا أحد الوجوه التي تسقط الاعتراض بهذا الخبر . ووجه آخر وهو ما حدث أبو الحسن الكرخي قال : حدثنا الحضرمي قال : حدثنا عبد الله بن سعيد قال : حدثنا أبو خالد عن حجاج عن حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقلت : إن الناس يقولون لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ! قال : " قد كان ذاك ، فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم " . وروى محمد بن شجاع قال : حدثنا إسحاق بن سليمان عن حنظلة عن طاوس قال : " اشترطت عشر رضعات ثم قيل الرضعة الواحدة تحرم " . فقد عرف ابن عباس وطاوس خبر العدد في الرضاع وأنه منسوخ بالتحريم بالرضعة الواحدة . وجائز أن يكون التحديد كان مشروطا في رضاع الكبير ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رضاع الكبير وهو